صادق عبد الرضا علي

176

القرآن والطب الحديث

أذل كبرياءهم ، ومرغ أنوفهم في الرغام ، وهم أصحاب الأنفة والحمية ، وإيثار الموت على إعطاء الدنية ، والفرار من المعركة مهما تكن قوة الخصم وكثرة رجاله ، وقوة سلاحه . إنّ ذلك حكم سماوي قاهر ، وقدر إلهي غالب محيط بالناس جميعا . . لقد كانت آيات التحدي تقرع أسماع العرب ، وهم يشغبون على القرآن ، ويتصدون لدعوته ، فيولون بين يديه مدبرين مذعورين ، يصيحون صيحات المجانين ، ويهذون هذيان المحمومين . . فإذا جاءهم القرآن الكريم قائلا : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ « 1 » . . لم يكن لهم من عزاء إزاء خزيهم المفضوح ، إلّا ترداد مثل هذه المقولات التي أخذها القرآن من أفواههم : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ « 2 » . لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ « 3 » . إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ « 4 » . أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا « 5 » . ولقد وقف الرسول الكريم أكثر من عشر سنين بمكة ينتظر من المشركين أن يقوم منهم مدع يدعي أنه أتى بالسورة التي يتحدى بها دعوى القرآن ، فلم يقم منهم أحد ، حتى ولو كان على سبيل المكابرة والمداراة لهذه الكبرياء الجريحة . . فلما أوشكت الدعوة أن تتحول برسولها من مكة إلى المدينة ، نزل هذا الاعلان العام ، يحمل التحدي المطلق ، لا للناس وحدهم بل ولعالم الجن معهم ، فقال تعالى : قُلْ لَئِنِ

--> ( 1 ) سورة البقرة : الآية 23 . ( 2 ) سورة المدثر : الآية 24 . ( 3 ) سورة الأنفال : الآية 31 . ( 4 ) سورة النحل : الآية 103 . ( 5 ) سورة الفرقان : الآية 5 .